المسعودي
43
مروج الذهب ومعادن الجوهر
قال علي : وتبلدت ( 1 ) خواطري حتى كأني ما أحسن حرفاً من الشعر ، قال : فقال لي المتوكل : ويلك يا علي ! ! ما أمرتك به ، فقلت : يا سيدي أقِلني فوالله لقد عزب عن ذهني ، فلم يزل يضرب به على رأسي ويعيرني به إلى أن مات . قال علي : ودخلت عليه أيضاً لأنادمه ، فقال لي : ويلك يا علي ، علمت أني غاضبت محبوبة ، وأمرتها بلزوم مقصورتها ، ونهيت الحشم عن الدخول إليها ، وأنفت من كلامها ؟ فقلت : يا سيدي ، إن كنت غاضبتها اليوم فصالحها غداً ، ويديم الله سرور أمير المؤمنين ، ويمد في عمره ، قال : فأطرق ملياً ، ثم قال للندماء : انصرفوا ، وأمر برفع الشراب ، فرفع ، فلما كان من غد دخلت اليه فقال : ويلك يا علي ، إني رأيت البارحة في النوم أني قد صالحتها ، فقالت جارية يقال لها شاطر كانت تقف أمامه : والله لقد سمعت الساعة في مقصورتها هينمة لا أدري ما هي ، فقال لي : قم ويلك حتى ننظر ما هي ، فقام حافياً وقمت اتبعه حتى قربنا من مقصورتها ، فإذا هي تخفق عوداً وتترنم بشيء كأنها تصوغ لحناً ، ثم رفعت عقيرتها وتغنت : أدور في القصر لا أرى أحداً أشكو اليه ولا يكلمني حتى كأني أتيْتُ معصية ليس لها توبة تخلصني فمَنْ شفيع لنا إلى ملك قد زارني في الكرى وصالحني حتى إذا ما الصباح عاد لنا عاد إلى هجره وصار مني قال : فصفق المتوكل طرباً فصفقت معه ، فدخل إليها فلم تزل تقبل رجل المتوكل وتمرغ خديها على التراب حتى أخذ بيدها ، ورجعنا وهي ثالثتنا . قال علي : فلما قتل المتوكل ضمت هي وكثير من الوصائف إلى بُغا
--> ( 1 ) في نسخة : وتغللت .